أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
514
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
دون غيره . وقرأ الجمهور : « ترجع » بالتأنيث لجريان جمع التكسير مجرى المؤنث ، إلّا أنّ حمزة والكسائي ونافعا قرأوا ببنائه لفاعل ، والباقون ببنائه للمفعول ، و « رجع » يستعمل متعديا تارة ولازما أخرى . وقال تعالى : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ « 1 » فجاءت القراءتان على ذلك ، وقد سمع في المتعدي « أرجع » رباعيا وهي لغة ضعيفة ، ولذلك أبت العلماء أن تجعل قراءة من بناه للمفعول مأخوذة منها . وقرأ خارجة « 2 » عن نافع : « يرجع » بالتذكير وبنائه للمفعول لأن تأنيثه مجازي ، والفاعل المحذوف في قراءة من بناه للمفعول : إمّا اللّه تعالى ، أي : يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار ، وإمّا ذوو الأمور ؛ لأنه لمّا كانت ذواتهم وأحوالهم شاهدة عليهم بأنهم مربوبون مجزيّون بأعمالهم كانوا رادّين أمورهم إلى خالقها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 211 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) قوله تعالى : سَلْ : قرأ الجمهور : « سل » وهي تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون من لغة : سال يسال مثل : خاف يخاف ، وهل هذه الألف مبدلة من همزة أو واو أو ياء ؟ خلاف تقدّم في قوله : فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ « 3 » فحينئذ يكون الأمر منها : « سل » مثل « خف » ، لمّا سكنت اللام حملا للأمر على المجزوم التقى ساكنان فحذفت العين لذلك ، فوزنه على هذا فل . والثاني : أن تكون من سأل بالهمز ، والأصل : اسأل ثم ألقيت حركة الهمزة على السين تخفيفا ، واعتددنا بحركة النقل فاستغنينا عن همزة الوصل فحذفناها ووزنه أيضا : فل بحذف العين ، وإن كان المأخذ مختلفا . وروى عباس عن أبي عمرو : « اسأل » على الأصل من غير نقل . وقرأ قوم : « اسل » بالنقل وهمزة الوصل ، كأنهم لم يعتدّوا بالحركة المنقولة كقولهم : « الحمر » بالهمز . وسيأتي لهذه المسائل مزيد بيان في مواضعها كما ستقف عليه إن شاء اللّه . و « بني » مفعول أول عند الجمهور . وقوله : كَمْ آتَيْناهُمْ في « كم » وجهان : أحدهما أنّها في محل نصب . واختلف في ذلك فقيل : نصبها على أنها مفعول ثان لآتيناهم على مذهب الجمهور ، وأول على مذهب السهيلي ، كما تقدّم تقريره . وقيل : يجوز أن ينتصب بفعل مقدّر يفسّره الفعل بعدها تقديره : كم آتينا آتيناهم ، وإنما قدّرنا ناصبها بعدها لأنّ الاستفهام له صدر الكلام ولا يعمل فيه ما قبله ، قاله ابن عطية ، يعني أنه عنده من باب الاشتغال . قال الشيخ « 4 » : « وهذا غير جائز إن كان « من آية » تمييزا ، لأن الفعل المفسّر لم يعمل في ضمير « كم » ولا في سببيّها ، وإذا لم يكن كذلك امتنع أن يكون من باب الاشتغال ، إذ من شرط الاشتغال أن يعمل المفسّر في ضمير الأول
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 83 ) . ( 2 ) خارجة بن مصعب أحد أعلام القراءات روى عنه العباس بن الفضل وتوفي سنة 168 ه غاية النهاية ( 1 / 68 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 61 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 126 ) .